حين تسمع كلمة حرب فأول ما يتبادر في ذهنك هو الرصاص و القنابل والطائرات الحربية والدبابات والصواريخ لكن الحقيقة أنك قد تكون ضحية لحرب شرسة تدور في ذهنك أو عبر شاشة هاتفك ،دون أن تسمع دوي انفجار واحد.
قال القائد العسكري الصيني الشهير“ سون تزو” في كتابه فن الحرب قبل آلاف السنين: التميز الأسمى يتلخص في كسر مقاومة العدو دون قتال. تحولت هذه الحكمة اليوم لواقع مرعب نعيشه كل يوم ففي الواقع أكبر الإنتصارات العسكرية في العصر الحديث تم توقيعها بحبر العقود أو بضغطة زر على لوحة المفاتيح أو بزجاجة ويسكي تُركت على صخرة مهجورة . عصر الحروب الصامتة حيث يموت الإقتصاد وتسقط العواصم وتتغير الخرائط والهدوء هو من كسب الحرب فكيف تُدار هذه الحروب الصامتة؟ وكيف يمكن لدولة أن تستسلم بالكامل وهي تظن أنها تعيش في سلام؟
الحرب الباردة الرعب الكامن خلف الستار
تبرز هذه الحرب في التاريخ الحديث ما بين ( 1991-1945) حيث انقسم العالم إلى معسكرين تقودهما الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد السوفيتي وعلى الرغم من أن الطرفين يمتلكان أسلحة نووية كافية لمحو الأرض عن بكرة أبيها إلا أنهما لم يطلقا رصاصة واحدة ضد بعضهما البعض فقد كانت الحرب تشكل سباقا نحو الفضاء متمثلة في شبكات التجسس المعقدة وحرب أديولوجية مرعبة. انتهت بانهيار الإتحاد السوفيتي من الداخل نتيجة الضغط الإقتصادي والسياسي, لتثبت للتاريخ أن الجبهة الداخلية يمكن أن تسقط دون الحاجة لغزو عسكري.
حرب الويسكي صراع طريف بين الدنمارك و كندا
ليس على الحروب أن تكون دموية دائما وقصة جزيرة هانز هي الدليل على ذلك تقع هذه الصخرة المهجورة في القطب الشمالي بين كندا والدنمارك واستمر النزاع بينهما من (1978-2022) فقد كان الجيش الدنماركي يزور الجزيرة ويرفع علمه ويترك زجاجة “براندي” للجنود الكنديين وبعد فترة يصل الجيش الكندي وينزل علم الدنمارك ويرفع علم كندا ويترك زجاجة “ويسكي كندي “ واستمر هذا الإحتلال السلمي المتبادل لأكثر من أربعين عاما دون قطرة واحدة حتى انتهى بتقسيم الجزيرة وديا بين البلدين.
الحرب السيبرانية التي دارت بسلاح غير مرئي
ففي العصر الرقمي لم تعد هنالك حاجة لإرسال طائرات قاذفة لتدمير منشأة حيوية لخصمك فما يتطلبه الأمر هو إرسال بضعة أسطر من البرمجيات الخبيثة
ففي عام 2010 تعرضت المنشئات النووية الإيرانية لهجوم غامض بواسطة فيروس رقمي يدعى “stuxnet” وبعد التطوير نجح في التسلل لأنظمة التحكم وتدمير خمسة أجهزة للطرد المركزي النووية برفع سرعة دورانها حتى تلفت ذاتيا ! فالأسحلة الرقمية اليوم قادرة على إطفاء شبكات الكهرباء في أكبر المدن وشل حركة المطارات وتجميد الأنظمة المصرفية بلمحة بصر.
حرب العقول في الجيل الخامس من الحروب
لم تعد الحروب الحديثة تستهدف الأرض بل أصبحت تستهدف الوعي من خلال منصات التواصل الإجتماعي ، هندسة الشائعات و ضخ المعلومات المضللة حتى أنه يمكن للقوى الخارجية تفكيك النسيج الإجتماعي لأي دولة من الداخل فعندما يفقد المواطن ثقته في المؤسسات التي ترأسه وينقاد وراء الفتن الداخلية تصبح الدولة لقمة سائغة في حلق العدو وفي هذه الحروب يتحول الهاتف الذي بين يديك لسلاح ضد استقرارك في وطنك دون أن تشعر.
خنق الأرقام : الحروب الإقتصادية
المال عصب الحرب وهو أيضا السلاح البديل عنها عندما تفرض عقوبات صارمة وضرائب وتتجمد الأصول المصرفية الدولية أو كالحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين فهذه كلها أدوات حديثة لإخضاع الدول فعندما نغلق سوقا عالميا في وجه دولة العدو فنحن نجبرها على مواجهة أزمات طاحنة تجبرها على تنازلات سياسية ضخمة دون الإضطرار لتحريك دبابة واحدة نحو حدودها.
الحرب النفسية
خلال حرب فيتنام استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حربا نفسية تُدعى “operation wandering soul”عمليةالروح الهائمة فبدلا من الرصاص قام المهندسون بتسجيل أصوات مرعبة وغريبة ووضعوا مؤثرات صوتية تحاكي أصوات الجنود الفيتناميين القتلى وكأنهم يتحدثون من العالم الآخر ويطلبون من زملائهم الإستسلام والعودة للمنزل “ متسغلين معتقدات محلية شائعة في فيتنام” وكانت هذه الأشرطة تبث بمكبرات صوت في الغابات ليلا لإرعاب الجنود ودفعهم لترك السلاح دون قتال.
في النهاية، ربما تكون الخدعة الأكبر التي انطلت علينا جميعاً هي ظننا بأن الحرب مجرد حدث عابر يبدأ بصفارات الإنذار وينتهي بمعاهدات السلام. الحقيقة التي نعيشها اليوم أكثر تعقيداً: الحرب لم تعد حدثاً، بل أصبحت بيئة نعيش فيها. إنها تُدار خلف شاشات خوارزمياتنا، وفي كواليس أسواقنا، وحتى في طريقة تشكيل قناعاتنا اليومية. الرصاصة لم تختفِ، بل تحولت إلى فكرة، والمعركة لم تنتهِ، بل نُقلت إلى داخل عقولنا. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا الآن ونحن نغلق هذه الشاشة: هل نحن حقاً نعيش في سلام... أم أننا مجرد أسرى في حرب صامتة لم نسمع دويّها بعد؟
لغز المقال :
أنا سلاحٌ بلا معدن، وجنديٌّ بلا زِيّ. أستطيع أن أسقط عواصم كبرى، وأغير حدود الخرائط، وأهزم أعتى الجيوش.. وكل هذا دون أن أخدش جلداً أو أريق قطرة دم واحدة. لا تراني العيون، لكنني أحتل العقول، وإذا تملكتك.. جعلتك تهدم بيتك بيدك وتظن أنك تصنع مجداً فمن أكون؟


